طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2010-12-04

عدد الزوار 2013

في أوقات السلم والاسترخاء تكون أنظار العامة متجهة إلى نجوم الرياضة والفن؛ فهم على كل لسان وأخبارهم تتصدر الصحف والمجلات؛ سواء الرصينة أو الفضائحية. ويمكن لأحدهم أن يكون بطل الأمة بجائزة أوسكار فاز بها أو ميدالية تحصَّل عليها.


د.يوسف بن صالح

في أوقات السلم والاسترخاء تكون أنظار العامة متجهة إلى نجوم الرياضة والفن؛ فهم على كل لسان وأخبارهم تتصدر الصحف والمجلات؛ سواء الرصينة أو الفضائحية. ويمكن لأحدهم أن يكون بطل الأمة بجائزة أوسكار فاز بها أو ميدالية تحصَّل عليها.
ومن العجيب أن الحاصلين على الجوائز العلمية، مثل نوبل للطب والفيزياء لا يعرفهم إلا الخاصة من الناس. أما العسكريون فليس لهم ذكر؛ فلا أحد يتذكر من هو وزير الدفاع أو رئيس الأركان أو قائد الطيران. أما في أوقات الحرب فإن البطل القومي هو أكثر العسكريين شهرة، وبصورة أخرى فإن التاريخ العسكري هو الأساس في النجاح السياسي؛ ولذا فلا نستغرب أن رؤساء أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية كانوا قادة مشهورين أثناء الحرب مثل أيزنهاور.
ولم تكن العلاقة بين القادة السياسيين والعسكريين جيدة على الدوام، بل يشوبها التوتر والحساسية؛ خاصة عندما تكون الحروب صعبة وتطول بدون نصر واضح؛ فالسياسي حريص على إنهاء الحرب بأسرع وقت وبأقل خسائر وبنصر واضح قَدْرَ الإمكان، والعسكري حريص على النصر، بل النصر المدوي الذي قد لا يتحمله السياسي ذو الخلفية المدنية. ونحن هنا سنضرب مثلين بقائدين أمريكيين يبدأ اسم كل واحد بـ: ماك.
الأول: الجنرال ماك آرثر: كان آرثر هذا قائد القوات الأمريكية في الشرق وحاكم الفلبين المطلق، وهُزمَت قواته أمام اليابانيين ومع ذلك استمر في قيادة القوات الأمريكية التي تضخمت واتسع مجال عملها، وتم له في النهاية إخضاع اليابان وتولى منصب الحاكم العسكري لليابان، وهو الذي أشرف على كتابة الدستور الياباني بما فيه بقاء الإمبراطور مع تجريده من الصلاحيات.
لقد كان ماك آرثر يتحكم في جزء كبير من المستعمرات الأمريكية في الشرق، أو بصورة أخرى: كان عليه المحافظة على السيطرة الغربية على المنطقة ومواجهة المد الشيوعي في كوريا وفيتنام؛ خاصة بعد الفشل في احتواء ماوتسي تونغ (الزعيم الصيني الجديد آنذاك)، وكانت كوريا هي ميدان الاختبار الأول؛ فقد جرى تقاسمها بين أمريكا وروسيا بخطٍّ وهمي، وأقيمت دولة شمال الخط تدعمها الكتلة الشيوعية وعمادها الحزب الشيوعي الكوري الذي كان يقاتل اليابانيين لتحرير كوريا ويدعو لتوحيد كوريا بضم الجزء الجنوبي الذي أقامت عليه أمريكا حكومة تابعة لها بلا قاعدة صلبة ملتزمة: إما ببقاء الجنوب منفصلاً أو داعية لتوحيد كوريا على مبادئها، هذا إن كان لها مبادئ.
إنها نقطة الضعف الكبيرة في كل ما تصنعه أمريكا من دول سرُّ بقائها الوحيد هو الدعم الأمريكي وهي غير قادرة على خوض أي صراع داخلي أو خارجي بدون توجيه أو دعم منها، إنها صورة تكررت في كوريا وفيتنام وكوبا وأخيراً في العراق وأفغانستان وفلسطين؛ إنهم يقيمون دولاً يقودها إمَّعات وشخصيات مستلبة القدرة على التصرف، يقابلها دول أو كيانات تعتمد على أحزاب عقائدية وشخصيات قيادية؛ فالكل يعرف قادة كوريا الشمالية وفيتنام الشمالية بينما طوى النسيان شخصيات أمريكا.
نعود إلى كوريا الشمالية التي اجتاحت الجنوب وجُنَّ جنون أمريكا وخاصة الحاكم المطلق للمنطقة (ماك الأول) الذي بدأ يحشد الجيوش بينما كانت أمريكا تُعِدُّ للحرب وتريد أن تستغل الأممَ المتحدة وتشنَّ الحرب باسمها. وصدر قرار مجلس الأمن بغيابٍ متعمَّد من الروس الذين يبدو أنهم كانوا يريدون أن تدخل أمريكا الحرب بأسرع ما يمكن، وتم للجميع ما أرادوه، وتكونت قوات التحالف بقيادة أمريكية وبقوات أمريكية تدعمها قوات أممية لدول كثيرة لا تبعد كثيراً عن الدول التي شاركت في فيتنام والعراق وأفغانستان.
المهم أن (ماك الأول) دخل ليضيف نصراً جديداً إلى سجلِّه؛ حيث دُمِّرت عاصمة الجنوب مرتين وجميع المدن الجنوبية والشمالية ودخل منتصراً عاصمة الشمال ولكن الحرب امتدت لسنوات بسبب مشاركة القوات الصينية المدعومة بقوة من الروس، وكان الحل الوحيد لتحقيق النصر - من وجهة نظر (ماك الأول) - هو أنه حدد عدداً كبيراً من المدن الصينية وطلب الإذن بضربها بالقنابل النووية.
نعم! لِيَمُت ملايين المدنيين ولينتصر ماك نصراً يستحق أن يدخل العالمُ بعده حرباً عالمية جديدة! وكانت صدمة للرئيس الأمريكي الذي تضايق من قَبْلُ لتصرفات ماك المتعالية أثناء استقباله له وخاف عواقب بقائه في الشرق البعيد وتحت تصرفه قوات هائلة فجرى استدعاؤه واستُقبِل استقبال الأبطال وتم تعيين بديلٍ عنه وهو في نيويورك البعيدة عن مكان قوَّته.
ومن أراد أن يعرف مقدار صدمته لهذه النهاية لتاريخه فَلْيطَّلع على خطابه الوداعي في الكونجرس. لقد خرج من الساحة؛ لأنه كان يحتقر السياسيين ولا يحترم حتى الرئيس، وكان ينظر للحرب على أنها قضية تمسه شخصياً ولم يكن أي حزب قادراً على احتوائه والاستفادة من شعبيته الطاغية فتمتع بتقاعده في عالم النسيان يجتر الذكريات.
أما ماك الثاني: فلم يخض حرباً حقيقية، بل تولى فترة قيادة القوات في العراق، وتم التطبيل لنجاحه في تحسين وضع القوات الأمريكية وتخفيض الخسائر بينها؛ بحيث أصبحت حرب العراق حرباً داخلية، وجرى نقله قائداً للقوات الأمريكية وقوات حلف الأطلسي إلى أفغانستان، وقد طُلِب منه بوضوح تطبيق أساليبه الناجحة في أفغانستان وإنشاء صحوات أفغانستان؛ لكن سرعان ما اكتشف أن النجاح في أفغانستان دونه خرط القتاد؛ ولذا بدأ بطلب زيادة القوات بدعوى ضرب الخصم وتليين موقفه ووطد علاقته مع قرضاي وحكومته، ولكنه كان يتلقى الضربات اليومية من طالبان. والاتصالات اليومية قائمة من مبعوثي الرئيس حول آخر الإنجازات التي يمكن أن يستفيد منها (الرئيس).
لقد خاض أوباما الانتخابات بشعار أنه يحمل الحل الأمثل بالخروج الآمن من العراق والانتصار في أفغانستان خلال مدة قصيرة، وبينما كان الوقت يمر كان الوضع على الأرض يزداد سوءاً؛ فلقد بحثوا عن أكباش الفداء وبدؤوا بقرضاي الذي اتهموه بالفساد والتزوير وٍاختلاس أموال الدعم ومع كل ذلك لم يجدوا بديلاً عنه. إنهم يبحثون عن نظيف يتعاون مع الاحتلال الأجنبي؟
لقد كان ماكريستال يخوض تجربة يحس فيها أنه أقرب للفشل وهو محاط بأشخاص حريصين على توريطه وحدَه؛ ولذلك قدَّم السفير الأمريكي في كابل تقريراً سلبيّاً للكونجرس عن الأوضاع. أما نائب الرئيس فهو كذلك متشكك في الإستراتيجية الأمريكية في أفغانستان... إنهم سلبيون لا يقدمون حلاَّ ولا يعجبهم عمل الأخرين؛ ولذا كانت خطته أن يخرج والكل يتحدث عن ماكريستال الذي لم يعطَ فرصة للنجاح؛ ولذا فإنه من الطبيعي أن يخرج بنجاح ظني من الجيش ويدخل إلى السياسة مستفيداً من أخطاء الذين أخرجوه.
لقد كان خروجه ذكياً يوحي له بمستقبل في عالم السياسة القذر؛ فقد استضافه مراسل مجلة أمريكية لمدة أسبوع وأسمعه كثيراً عن انطباعاته عن أوباما وفريقه، وكتب المراسل بعض ما يمكن نشره وسكت عن كثير، ولم ينفِ ماكريستال ما نُشِر، وكان اعتذاره اعتذاراً أمريكيا تقليدياً يقوله كل من ارتكب جريمة أو خان زوجته يتلخص بأن: هذا التصرف خطأ وأنه ليس من عادته ارتكاب مثل هذه الأخطاء. وإليك أخي القارئ بعض ما نُشِر حول الموضوع:
- ذكرت صحيفة «ذي اندبندنت أون صنداي» أن إقالة الجنرال ماكريستال لم تنتج فقط من تصريحاته كما هو معلن، بل ترجع أيضاً إلى تقرير كان قدَّمه قبل أيام من إقالته لوزراء الدفاع في دول حلف الأطلسي تضمَّن حصيلة سلبية عن الوضع في أفغانستان، وتشكيكاً في إمكانية حدوث تقدُّم على صعيد الوضع الميداني بعد ثمانية أعوام ونصف من الحرب بأفغانستان ( يشبه تصرف السفير وللهدف نفسه).
- نقلت مجلة «رولينغ ستون» الأمريكية في عددها الصادر يوم 21 يونيو 2010م عن ماكريستال قولَه: «هل تسألون عن نائب الرئيس بايدن؟ من هو هذا الرجل؟ هل تقصدون بايت مي؟»، مستخدماً الكنية العائلية لجو بايدن.
- أوضح ماكريستال أنه شعر بأنه تعرَّض للخيانة من قِبَل السفير الأمريكي في كابول (كارل أيكنبري) العام الماضي 2009م خلال نقاش في البيت الأبيض حول الإستراتيجية في أفغانستان.
وبشأن مذكرة داخلية للسفير أيكنبري تم تسريبها متضمنة تشكيكاً بجدوى مطالبة الجنرال ماكريستال بتعزيزات. قال الجنرال الأمريكي: «هذا شخص يسعى إلى حماية نفسه، وهكذا في حال فشلنا فإنه سيكون بإمكانه أن يقول: سبق أن حذرتكم من هذا».
- وسَخِر الجنرال ماكريستال كذلك من المبعوث الأمريكي الخاص لأفغانستان وباكستان (ريتشارد هولبروك) وقال بعد أن نظر الى هاتفه الجوال: «إنها رسالة إلكترونية أخرى من هولبروك لا أرغب حتى في مجرد فتحها».
- صرَّح أحد مستشاري ماكريستال بأن الجنرال لم يكوِّن انطباعاً جيداً من لقاءٍ مع أوباما في البيت الأبيض عقب تعيينه على رأس العمليات في أفغانستان.
وقال المستشار وَفْقاً لمجلة «رولينغ ستون»: «كان لقاءً استمر عشر دقائق بغرض التقاط الصور، ولم يكن أوباما يعرف شيئاً عنه وعمَّن يكون ولم يُبْدِ الكثير من الاهتمام».
- زعم مسؤولون مقرَّبون من الجنرال أن مجلة رولنغ ستون، التي نشرت تصريحات لماكريستال أدت إلى إقالته، انتهكت قواعد الصحافة. وقالوا لصحيفة واشنطن بوست: إن صاحب المقالة مايكل هاستينغز نقل عن الجنرال وزملائه أحاديث سُمِح له بسماعها دون أن ينقلها. كما رفض المسؤولون تصريحاً صدر عن المدير التنفيذي للمجلة إريك بيتس أكد فيه أن مجلته راجعت القصة الخبرية بشكل دقيق مع موظفي ماكريستال قبل النشر.
- نفى المدير التنفيذي للمجلة إريك بيتس في مقابلة صحفية أن يكون هاستينغز قد انتهك قواعد النشر عندما كتب عن الأسابيع الأربعة التي قضاها مع فريق ماكريستال. وتابع قائلاً: «إن كثيراً من الأشياء التي قيلت خارج النطاق الرسمي لم تُـنشر»، مؤكداً التزام المجلة بقواعد النشر في جميع الحالات.
- أما اعتذار الجنرال فإليك بعضه: «هذا خطأ يعكس ضعفاً في التقدير، وما كان يجب أن يحدث»، وأضاف: «طيلة حياتي المهنية طبقت مبادئ الشرف الشخصي والنزاهة المهنية وما ورد في هذا المقال بعيد جداً عن هذه المعايير»، ثم أردف: «أُكِنُّ احتراماً وإعجاباً كبيرين للرئيس أوباما وفريقه للأمن القومي».
من الواضح أن الجنرال يريد النزول من العربة في هذا الوقت وليكن الفشل حليف من يخلفه، وإلى اللقاء في انتخابات قادمة ليعود منقذاً. وصدق الله في وصفه لفئة من الكفار تصدق على الفئة الحاكمة في أمريكا؛ حيث قال: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: ٤١> والخلاف الظاهر دليل على صعوبة الوضع ونُذُر الهزيمة.



مجلة البيان