طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-05-05

عدد الزوار 3883

وفــــــاءورقة صغيرة كُتبت بخطٍ غير واضح ، تمكنت من قراءتها بصعوبة بالغة ...فضيلة الشيخ : هل لديك قصة عن أصحاب أو أخوان ... أثابك الله ...كانت صيغة السؤال غير واضحة ، والخط غير جيد...سألت صديقي : ماذا يقصد بهذا السؤال ؟وضعتها جانباً ، بعد أن قررت عدم قراءتها على الشيخ ...ومضى الشيخ يتحدث في محاضرته والوقت يمضي ...أذن المؤذن لصلاة العشاء ...توقفت المحاضرة ، وبعد الآذان عاد الشيخ يشرح للحاضرين ، طريقة تغسيل وتكفين الميت عملياً ...وبعدها قمنا لآداء صلاة العشاء ...وأثناء ذلك أعطيت أوراق الأسئلة للشيخ ومنحته تلك الورقة التي قررت أن استبعدها ، ظننت أن المحاضرة قد


عبدالله الهندي

وفــــــاءورقة صغيرة كُتبت بخطٍ غير واضح ، تمكنت من قراءتها بصعوبة بالغة ...فضيلة الشيخ : هل لديك قصة عن أصحاب أو أخوان ... أثابك الله ...كانت صيغة السؤال غير واضحة ، والخط غير جيد...سألت صديقي : ماذا يقصد بهذا السؤال ؟وضعتها جانباً ، بعد أن قررت عدم قراءتها على الشيخ ...ومضى الشيخ يتحدث في محاضرته والوقت يمضي ...أذن المؤذن لصلاة العشاء ...توقفت المحاضرة ، وبعد الآذان عاد الشيخ يشرح للحاضرين ، طريقة تغسيل وتكفين الميت عملياً ...وبعدها قمنا لآداء صلاة العشاء ...وأثناء ذلك أعطيت أوراق الأسئلة للشيخ ومنحته تلك الورقة التي قررت أن استبعدها ، ظننت أن المحاضرة قد انتهت ...وبعد الصلاة طلب الحضور من الشيخ أن يجيب على الأسئلة ...عاد يتحدث وعاد الناس يستمعون ...ومضى السؤال الأول والثاني والثالث ...هممت بالخروج ، استوقفني صوت الشيخ وهو يقرأ السؤال ...قلت : لن يجيب فالسؤال غير واضح ...لكن الشيخ صمت لحظة ثم عاد يتحدث ...جاءني في يوم من الأيام جنازة لشاب لم يبلغ الأربعين ، ومع الشاب مجموعة من أقاربه ، لفت انتباهي ، شاب في مثل سن الميت يبكي بحرقة ، شاركني الغسيل ، وهو بين خنين ونشيج وبكاء رهيب يحاول كتمانه ، أما دموعه فكانت تجري بلا انقطاع ...وبين لحظةٍ وأخرى أصبره وأذكره بعظم أجر الصبر ...ولسانه لايتوقف عن قول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لاحول ولاقوة إلا بالله ...هذه الكلمات كانت تريحني قليلاً ...بكاؤه أفقدني التركيز ، هتفت به بالشاب ...- إن الله أرحم بأخيك منك ، وعليك بالصبر التفت نحوي وقال : إنه ليس أخي ألجمتني المفاجأة ، مستحيل ، وهذا البكاء وهذا النحيب- نعم إنه ليس أخي ، لكنه أغلى وأعز أليّ من أخي ...سكت ورحت أنظر إليه بتعجب ، بينما واصل حديثه ...- إنه صديق الطفولة ، زميل الدراسة ، نجلس معاً في الصف وفي ساحة المدرسة ، ونلعب سوياً في الحارة ، تجمعنا براءة الأطفال مرحهم ولهوهم ...- كبرنا وكبرت العلاقة بيننا ، أصبحنا لا نفترق إلا دقائق معدودة ، ثم نعود لنلتقي ، تخرجنا من المرحلة الثانوية ثم الجامعة معاً ...التحقنا بعمل واحد ...تزوجنا أختين ، وسكنا في شقتين متقابلتين ...رزقني الله بابن وبنت ، وهو أيضاً رُزق ببنت وابن ...عشنا معاً أفراحنا وأحزاننا ، يزيد الفرح عندما يجمعنا ، وتنتهي الأحزان عندما نلتقي ...اشتركنا في الطعام والشراب والسيارة ...نذهب سوياً ونعود سوياً ...واليوم ... توقفت الكلمة على شفتيه وأجهش بالبكاء ... - يا شيخ هل يوجد في الدنيا مثلنا ...خنقتني العبرة ، تذكرت أخي البعيد عني ، لا .. لا يوجد مثلكما ..أخذت أردد ، سبحان الله ، سبحان الله ، وأبكي رثاء لحاله ...أنتهيت من غسله ، وأقبل ذلك الشاب يقبله ...لقد كان المشهد مؤثراً ، فقد كان ينشق من شدة البكاء ، حتى ظننت أنه سيهلك في تلك اللحظة ...راح يقبل وجهه ورأسه ، ويبلله بدموعه ...أمسك به الحاضرون وأخرجوه لكي نصلي عليه ...وبعد الصلاة توجهنا بالجنازة إلى المقبرة ...أما الشاب فقد أحاط به أقاربه ...فكانت جنازة تحمل على الأكتاف ، وهو جنازة تدب على الأرض دبيباً ...وعند القبر وقف باكياً ، يسنده بعض أقاربه ...سكن قليلاً ، وقام يدعو ، ويدعو ...انصرف الجميع ...عدت إلى المنزل وبي من الحزن العظيم ما لا يعلمه إلا الله ، وتقف عنده الكلمات عاجزة عن التعبير ...وفي اليوم الثاني وبعد صلاة العصر ، حضرت جنازة لشاب ، أخذت اتأملها ، الوجه ليس غريب ، شعرت بأنني أعرفه ، ولكن أين شاهدته ...نظرت إلى الأب المكلوم ، هذا الوجه أعرفه ...تقاطر الدمع على خديه ، وانطلق الصوت حزيناً ...يا شيخ لقد كان بالأمس مع صديقه ...يا شيخ بالأمس كان يناول المقص والكفن ، يقلب صديقه ، يمسك بيده ، بالأمس كان يبكي فراق صديق طفولته وشبابه ، ثم انخرط في البكاء ...انقشع الحجاب ، تذكرته ، تذكرت بكاءه ونحيبه ...رددت بصوت مرتفع :كيف مات ؟- عرضت زوجته عليه الطعام ، فلم يقدر على تناوله ، قرر أن ينام ، وعند صلاة العصر جاءت لتوقظه فوجدته ، وهنا سكت الأب ومسح دمعاً تحدر على خديه ، رحمه الله لم يتحمل الصدمة في وفاة صديقه ، وأخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون ...- إنا لله وإنا إليه راجعون ، اصبر واحتسب ، اسأل الله أن يجمعه مع رفيقه في الجنة ، يوم أن ينادي الجبار عز وجل : أين المتحابين فيِّ اليوم أظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي ...قمت بتغسيله ، وتكفينه ، ثم صلينا عليه ...توجهنا بالجنازة إلى القبر ، وهناك كانت المفاجأة ...لقد وجدنا القبر المجاور لقبر صديقه فارغاً ...قلت في نفسي مستحيل : منذ الأمس لم تأت جنازة ، لم يحدث هذا من قبل ...أنزلناه في قبره ، وضعت يدي على الجدار الذي يفصل بينهما ، وأنا أردد ، يالها من قصة عجيبة ، اجتمعا في الحياة صغاراً وكباراً ، وجمغت القبور بينهما أمواتاً ...خرجت من القبر ووقفت ادعو لهما : اللهم أغفر لهما وأرحمهما ، اللهم واجمع بينهما في جنات النعيم على سرر متقابلين ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ومسحت دمعة جرت ، ثم انطلقت أعزي أقاربهما ...انتهى الشيخ من الحديث ، وأنا واقف قد أصابني الذهول ، وتملكتني الدهشة ، لا إله إلا الله ، سبحان الله ، وحمدت الله أن الورقة وصلت للشيخ وسمعت هذه القصة المثيرة ، والتي لو حدثني بها أحد لما صدقتها ...وأخذت ادعو لهما بالرحمة والمغفرة ....قصة ذكرها الشيخ عباس بتاوي مغسل الأموات



قصة من الواقع