طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-05-05

عدد الزوار 2568

أخذت لباسي ووضعت حقيبتي واتجهت للمطار وجاء وقت الرحلة ... وسارت الرحلة ...فنزلنا مطار بغداد , ورأيت العجائب من الآثار التي تركتها القنابل الذكية التي " اختارها بوش " . وركبنا الباص وتجولنا في الأحياء ، فهالني ذلك المسجد الذي دُمِّر ، بعد أن كان صوت الأذان ينطلق من منابره . فقلت للسائق : قف ، فوقف ، ونزلت ، ودخلت المسجد ، وأدهشني وجود بعض البقايا من أسلحة الأعداء ، فقلت : يا   نفس وهل هنا " أسلحة دمار شامل " أم " أن هذه سياسة الأمريكان ؟ ثم مضى الوقت ، وأنا أتأمل في زوايا المسجد ، فكم كان هناك من سجدات ، ودمعات ، وكلمات ، ولم أتمالك دمعتي إِلا   وهي ت


محبكم سلطان العمري

أخذت لباسي ووضعت حقيبتي واتجهت للمطار وجاء وقت الرحلة ... وسارت الرحلة ...فنزلنا مطار بغداد , ورأيت العجائب من الآثار التي تركتها القنابل الذكية التي " اختارها بوش " .
وركبنا الباص وتجولنا في الأحياء ، فهالني ذلك المسجد الذي دُمِّر ، بعد أن كان صوت الأذان ينطلق من منابره .
فقلت للسائق : قف ، فوقف ، ونزلت ، ودخلت المسجد ، وأدهشني وجود بعض البقايا من أسلحة الأعداء ، فقلت : يا
 
نفس وهل هنا " أسلحة دمار شامل " أم " أن هذه سياسة الأمريكان ؟
ثم مضى الوقت ، وأنا أتأمل في زوايا المسجد ، فكم كان هناك من سجدات ، ودمعات ، وكلمات ، ولم أتمالك دمعتي إِلا
 
وهي تجري على خدي ، فتركتها لعلها تترك في قلبي أثرا .
ثم ركبنا الباص ، وسرنا ، لنرى هناك بقايا سيارة مدمَّرة ، وبجانبها دماء لمسلمة ، سال دمها ، برصاص الأعداء ، وأوقفت
 
السائق ، لأرى الحادث ، وفعلاً ، رأيتُ المرأة تحتضر ، فأردت مساعدتها ، فقالت : إِن هناك مثلي مئات ، فدعني فليس لنا
 
 إلا الله ، وخرجت روحها .
ثم واصلنا المسير ، ودخلنا أحد الأحياء ، وإذا بي أرى طفلاً في العاشرة من العمر ، يشير لنا ، ... فقلت للسائق : قف .
 
 فتوقف ، فنزلت لأرى الطفل ، وسلمتُ عليه ، وعانقته بحرارة ، فقلت : ما شأنك ؟ فقال : دخل الرافضة علينا واغتصبوا
 
أمي ، وقتلوا أخي ، فخرجتُ مسرعاً أريد النجاة ، فقلت : ولم قتلوا أخاك ، واغتصبوا أمك ؟ فقال : لأننا من (( أهل
 
السنة )) .
فأخذته معي ، وسرنا لننجو من الرافضة ، وتقدمنا قليلاً فنزلت لإحدى المحلات لأشتري منه بعض الطعام لذلك الصبي وإذا
 
بي أرى أطفال ، يشتكون من المصيبة نفسها واشتريتُ له ما رأيته مناسباً ، ثم تركته عند بعض أقاربه .
 
وواصلنا المسير فإذا بي التفت لأرى ذلك المستشفى يلوح أمام ناظري ، فنزلتُ ، لأرى بعض المرضى ، فإذا بي أرى أحد
 
الإخوة عند باب المستشفى ، يخبرني بأن " الرافضة " قد دخلوا قبل أيام ، ونزعوا الأدوية ، وعطلوا الأجهزة ، وأخرجوا
 
المرضى ، وقاموا بحرقهم في الشارع ، وأقسم لي بالله على صحة هذا الخبر ...
وبعد ذلك ركبت السيارة ، وجلستُ فيها ، لأمسح دموع الحسرة على حال إِخواننا ، فيا ترى من لهم ؟؟فقال لي السائق : هل نواصل ؟ قلت : نعم ...
 
فسرنا ، وجاء الليل بظلامه ، وقمت بزيارة لأحد الزملاء ، وجلسنا سوياً لأخبره عما رأيت ، فلم انتبه إِلا ودمعاته سارت على
 
خديه ، ثم قال : هذا حالنا في العراق منذ أن دخل الأمريكان وحلفاءهم ...
وبعد لحظات ، دخل علينا ، أحد الناس ، الذين خرجوا من سجون التعذيب في " سجون أبو غريب " فقلت له : حدثنا عما
 
رأيت ؟
فقال : ومن أين ؟ وماذا أقول ؟
ثم قال : آه ، آه ، حسبنا الله ونعم الوكيل ...
ثم واصل كلامه الذي يخرج من قلبه : لقد تم اعتقالي بلا ذنب فعلته ، حينما قام الأعداء بتفتيش منزلي ، وبعد ذلك عصبوا
 
على عيني ، وسارت بنا سيارة " العدو " وتم إدخالي السجن ... وقاموا بتجريدي من ملابسي ، وبكيت لحالي ، وناديتُ
 
ولكن كانت ضحكات النساء الأمريكيات أعلى من صوتي ...
 
وبعد ساعات أعادوا لي لباسي و قيدوني ، وجاءت المرأة ووضعت سلسلة في رقبتي لتسحبني في ممرات السجن ، وأنا
 
أقول : أين أين المسلمون ؟؟
وفي أحد الأيام ، وأنا في سجني ، أذوق مرارة الاعتقال ، والإهانات لكرامة الإِنسان المسلم ، لم أشعر إِلا وذلك الكلب
 
الأسود ، مع ذلك الجندي البريطاني أمامي ، وقربوه مني وأنا في رعب شديد ، وخوف عجيب ، وصحت بأعلى صوتي ...
 
ولكن ، كان صوت الكلب أعلى ، فمن سيسمعني ؟؟
ومرت الأيام ... وتَحصُل الإهانة التي لا أظن أن بعدها " إِهانة " حيث جردوني من ملابسي وأخرجوني من السجن ... وإذا
 
بي أرى زملائي وإخواني الأسرى فوق بعضهم البعض ، وهم عراة ، وفي الأمام " الجنود يضحكون " بأعلى أصواتهم ، ثم
 
وضعوني فوق إخواني ...
فوالله ، ثم والله .. حينها توقفت الدموع وازداد الغضب ، ولكن من يعلم بحالنا ؟ فقلت له : وأين الأمن المزعوم ، وتحقيق السلام ، والدفاع عن حقوق الإنسان ؟ فضحك لي ضحكة المغضب ، وقال : هذا هو حال المسلم حينما يحيط به الأعداء ؟
بعدها ذهبت لكي أنام من عناء تلك الرحلة ، ولكن أبى الجفن أن ينام ، وأبى القلب إلا الحزن ، وأبت العين إلا أن ترسل
 
العبرات ، وقمت لأصلي لله ركعات لأدعو لأخواني ، فهذا أقل ما أقدر عليه ...
ولما جاء الصباح ، عزمت السير لأحد الأصدقاء ، وفعلاً وجدته في منزله وبين أسرته ، ودخلتُ ، وجلسنا سوياً لوحدنا ،
 
وأردت الحديث معه عن بعض القصص ، ولكنه سبقني ، بدموع ووراء الدموع كلمات الأسى ، لحال امرأته التي تم تعذيبها
 
في سجون الاحتلال ، وهي الآن ، حامل ، نعم إنها حامل , من اغتصاب الأمريكان لها ..
 
فلم أصدق الخبر ، وقال لي : إن المسلمات في السجون ألعوبة في أيدي جنود الاحتلال ، وهنَّ حوامل ، نعم ، حوامل ،
 
 ويا
 
 
حسرتـاه على أمة المليار .....
ومضى ذلك اليوم ، بهمومه ، وآلامه ، وأنا أتجرع غصصه وأحزانه ...
وفي نهاية يومي ودعتُ صاحبي ، واتجهت للمطار ، وحان موعد العودة إلى البلاد , وحينها توقف قلمي عن كتابة هذه
 
الرحلة التي لم أرحل لها ببدني ... بل رحلتُ لها بقلبي ...
وها أنا ، عُدتُ بقلبي ، وبقلمي ،... فيا أمة المليار ، أعدوا جواباً لسؤال الجبار ...



محبكم سلطان العمري