طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-05-05

عدد الزوار 1684

بسم الله الرحمن الرحيم دخل علينا زائر الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي قسم بالموت رقاب الجبابرة ، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ، له الحمد فهو المنعم والمتفضل علينا بكل أمور الحياة ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد الحبيب الأمين   وبعد : لقد حاورت نفسي كثيرا وترددت كثيرا في التفكير في هذا الموضوع وكيف أنني سأصل الى قلوبكم قبل أن أصل إلى أسماعكم ، وربما يسألني أحد لماذا أُحاول الوصول إلى القلوب قبل الأسماع هذه المرة ؟ . أو لماذا هذا العنوان ؟ وعن ماذا سأتحدث ؟ . الإجابة :" هي أنني سأكتب موضوعي هذ


أبو المجد


بسم الله الرحمن الرحيم
دخل علينا زائر
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي قسم بالموت رقاب الجبابرة ، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ، له الحمد فهو المنعم والمتفضل علينا بكل أمور الحياة ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد الحبيب الأمين
 
وبعد : لقد حاورت نفسي كثيرا وترددت كثيرا في التفكير في هذا الموضوع وكيف أنني سأصل الى قلوبكم قبل أن أصل إلى أسماعكم ، وربما يسألني أحد لماذا أُحاول الوصول إلى القلوب قبل الأسماع هذه المرة ؟ .
أو لماذا هذا العنوان ؟ وعن ماذا سأتحدث ؟ .
الإجابة :" هي أنني سأكتب موضوعي هذا من واقع عملي عشته ورأيته بعيني وترك أثرا في قلبي ، حتى أن هذه المشاهد لا تكاد تنساها ذاكرتي .
تراني بكيت منها تارة وتراني تعجبت منها تارة وتراني تذكرت كلام الله في قرءانه وتراني قد تذكرت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ، فلذلك هي وصلت قلبي قبل سمعي وبصري وآمل ان تصل إلى قلوبكم أيضا .
مع الحكاية ................. أعزائي مع البداية كانت الحكاية ، حكايتي هذه لم تسطرها أفلام تتكلم عنها ..... بل ربما لم تفكر بها يوما ..... بل سطرتُها أنا وزملائي في فترة الإمتياز العملي في المستشفى ......
حكايتي هذه يجب أن نحذر منها جميعا ونعمل لها جهارا نهارا كي لا نفتن ونقع في الفخ ..... أنه الموت ..... هذا هو الزائر الأخير وياله من زائر !!!!
حكى عنه الأنبياء وألف فيه العلماء وتكلم فيه الخطباء وبكى منه الوعاظ ...... يا له من زائر !!!!
ليته يحمل معه الهدايا ليته يأتي ولا ُيبكي أحد ..... دخوله مفاجئ يأتي بغته ونحن لا نشعر به ..... فهو نهاية الحياة وبداية القيامة.
لقد آلمتني كثيرا تلك المشاهد ..... وآلمت من كان حولي ..... مشاهد تتصدع منها القلوب وتبكي منها العيون وتخر منها الأقدام .....
قال تعالى :
" إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد ". ق .
..... لكن قبل البدء في هذه المشاهد دعونا نتوقف مع كلام الله سبحانه وتعالى ونستشهد بسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم . قال تعالى :
" كلا إذا بلغت التراقي، وقيل من راق ، وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذٍ المساق ". القيامة
قال تعالى :" فلولا إذا بلغتِ الحلقوم ، وأنتم حينئذٍ تنظرون ، ونحن أقربُ اليهِ مِنكُم ولكن لا تُبصرون ، فلولآ إن كنتم غير مَدِينِين ، ترجعونهآ إن كنتم صادقين ". الواقعة .
هاتين الايتين الكريمتين لقد رأيتهما أمامي .
المشهد الأول : رحم الله تلك المرأة العجوز التي مضى من عمرها السبعون عاما ، دخلت عليها في الصباح وحييتها وكانت بصحة وعافية إلا أنها متعبة بسبب تجمع السوائل في منطقة الصدر ، كان العرق يتصبب منها كثيرا ، خاطبتها وقلت لها يا أمي !!!
هل أضع لك الأكسجين؟ قالت: نعم . فوضعته لها وطلبت مني أن أساعدها وأجلسها في السرير ، فهممت لأجلسها فلم أستطع فطلبت منها أن تمسك بي بكلتا يديها فلم تستطع ، فعرفت أنها قد بدأت في التعب ، ثم خرجت من عندها وكانت تتكلم بشكل طبيعي ، وذهبت إلى باقي المرضى .
مضت خمس ساعات تقريبا ،فإذا أبنها يأتيني ويقول لي إن أمي فقدت الوعي ، ذهبت مسرعا وطلبت المساعدة من باقي الزملاء فقدموا مسرعين ، وبعد تقيم وضعها الصحي عرفنا أنها تحتضر فقمنا بإعطائها الأبر المقويه للقلب فلم تنجح المحاوله ، طلبنا التخدير فلم تنجح المحاولة . بدأت ضربات القلب بالنزول ... 80 ، 70 ، 65 ........ وبدأت الأنفاس تهدء ، وفجأة وإذا بها تهنض وكأنها غير مريضة .... ياااا الله إنها تمسك بي من عنقي !!! .... يا الله ماذا أصنع !!! .... قلت لها :" أُتركيني لقد خنقتني " ولم تتركني فقمت بإفلات يديها من رقبتي ، وأدركت أن ملك الموت ينزع الروح ، يااا الله يا الله ما هذا المشهد !!! مشهد تقشعرُ منه القلوب .
قال تعالى :" إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد ".
لقد هدأت الأنفاس وسكنت الحركات وشَخِصَ البصر ، وفارقت الروح الجسد . وصعدت إلى باريها . رحمها الله وغفرلنا ولها .
 
ا لمشهد الثاني : موسى شابٌ ابن عشرين سنة ، يتمتع بشبابه ويسرح ويمرح كانت الإبتسامة قليلا ما تفارق وجهه . في ذلك اليوم في صيف العام الماضي كنت مناوباً في قسم الطوارئ فإذا موسى يدخل علينا وكان يتصببُ عرقا ، قام الطبيب بفحصة ، وأمرني أن أعمل له تخطيطاً للقلب فعملته وكانت النتيجة سليمة ، طلبنا له فحوصات للدم فكانت النتيجة إرتفاع في الكريات البيضاء فطلبنا منه فحوصات أخرى لمرض السرطان وأمرناه بالعودة بعد نتيجة الفحوصات بأيام ، عاد الينا فقرأ الطبيب النتيجة فإذا موسى مصاب بمرض سرطان الدم ، تفاجئ وتفاجئ الأهل معه !!!
قلنا له صبرك الله وشفاك. .... أخذ موسى وأهله يترددون إلى المستشفى كل فترة وقرر المبيت فيها لمدة ، وطلب منه الطبيب المعالج أن يعمل له عملية زرع نخاع ، فقبل ..... وعملت العميلة وأخذ الجميع ينتظرون النتيجة بفارغ الصبر ، لكن وضع موسى الصحي أخذ بالتدهور وبدأت الأمور تسوء أكثر فأكثر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، مضت ستةُ أشهر على مرضه وأتت ساعة الإحتضار لحظة قال فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم :" إن للموت لسكرات ". قال فيها الله سبحانه وتعالى
" قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ".
مات موسى وطويت صفحة العمل وفاضت الروح إلى باريها .
اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
المشهد الثالث : في المساء وفي قسم الطوارئ إيضا وفي نفس الشهر ، سيارة إسعاف تأتي مسرعة هرعنا إليها مسرعين فإذا بها شابُ في زهرة الشباب ينزف دما ... ولا تكاد ترى وجههُ ولا صدره من كثرة الدماء ، أسرعنا به إلى غرفة إنعاش القلب ، وطلبنا التخدير والفريق الأزرق ، وضعنا عليه الأكسجين و جهاز مراقبة القلب وأعطيناه صدمات كهربائية لكن لا فائدة ، أعطيناه ادوية القلب وبدون فائدة ، وبدأت الأنفاس تهدأ وأخذت ضربات القلب بالنزول 60.. 55.. 52 ... 30... 15 .. إلى أن توقف القلب ... وبدأ البصر يشخص إلى السماء ... يا الله !!!
إنه ملك الموت ينزع الروح .... فشهق الشاب ومات . رحمه الله ، خرجنا من غرفة الإنعاش وقلنا لهم" إنا لله وإنا اليه راجعون " أخذت الأم بالبكاء والأب بالبكاء والأخوة وجميع الحاضرين ، سألناهم وقلنا لهم إن ابنكم قد أصيب بعيار ناري قد أخترق القلب والرئتين فأين أصيب ، فقالوا لنا إنه قتل ظلما والله أعلم . حسبنا الله ونعم الوكيل ، قال تعالى :
" ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا "
. قال الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين :" باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء أكان جاداً أو مازحا والنهي عن تعاطي السيف مسلولا ". وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال : "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح ، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزِعُ في يده ، فيقع في حفرة من النار " . متفق عليه .
وفي روايه لمسلم قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم :" من أشار إلى أخيه بحديدة ، فإن الملائكة تلعنهُ حتى يَنزِعَ ، وإن كان أخاهُ لأبيهِ وأُمه ".
 
المشهد الرابع في صباح ذلك اليوم ومع بداية الدوام دخلت إلى تلك الغرفة فألقيت التحية على المرضى الموجودين فردوا عليًّ التحية ، فوقعت عيني على ذلك العجوز الذي تبدو عليه ليحيةٌ بيضاء جميلة ، ترى فيه معاني الصبر على المرض ، إنحنيت اليه وكلمته مخاطبا :" يا عم كيف حالك " . فرد بخير من الله وأخذ يدعو لي باللهجة العامية قائلا:" الله يكفيك شر المرض يا ابني ، الله يحفظك ، الله يبعد عنك كل سوء ، الله ينجيك ". واستمر بالدعاء ، فقلت له يا عم :" والله اني مفتقر لهذا الدعاء ، شافاك الله وعافاك ". ثم خرجت من الغرفة . وبعد ساعة حان وقت جولة الأطباء والتمريض على المرضى ...... دخلنا الغرفة الأولى ... فإذا ذلك الطبيب يأتي مسرعا ويقول فلان يحتضر أسرعوا ، فذهبنا فإذا به ذلك العجوز ذو اللحية البيضاء ، إنه ميت ، قلت ": يا الله !!!!
أنا منذ لحظات كنت في الغرفة عنده وخاطبني ودعا لي ". فقلت للمريض الذي بجواره لماذا لم تخبرنا ، فقال :" كنت أظنه نائماً ". فتذكرت تلك العجوز وموتها .
وتذكرت حديث البراء بن عازب الطويل: (إن العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتته الملائكة، فيأخذون روحه، فيأتي ملائكة آخرون يجلسون منه مد البصر فلا يدعونها في أيديهم طرفة عين، فيأخذونها ويعرجون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على ملأ إلا قالوا: ما هذه الروح؟ ) إلى اخر الحديث .
فيا أحبابي !!!!! لنا كل يوم مولودٌ نفرح به ، ولنا ميتٌ نحمله إلى القبر ... فهل من مشمر للعمل لمثل هذه اللحظة . عن البراء بن عازب قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة ، فجلس على شفير القبر ، فبكى حتى بل الثرى ، ثم قال : يا إخواني لمثل هذا فأعدوا ". حديث حسن .
قال تعالى : "وإضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماءِ فاختلط به نباتُ الأرض ِ فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان اللهُ على كل شيءٍ مقتدرا " .
الله الله يا شباب الله الله يا بنات في التوبة والرجوع إلى الله ،
يا عاصي يا معرض عن الله وكلامه !!!!
تب إلى الله قبل حشرجة الصدور ،
والله الذي لا إله إلا هو من رأى تلك المشاهد وخروج الروح وانقطاع النفس وسكون القلب والحركات يجب عليه أن يبكي ويبكي ويبكي حتى يبل لحيته .
ما أجمل قول الشاعر عندما قال
: قبورنا تبنى ونحن ما تبنا يا ليتنا تبنا من قبل أن تبنا
سل قلبي واسأل ما بالنا نعلم لكننا ما نعمل فكم يرانا الله ونحن في سرنا وجهرنا نعصاه ستفنى زهرة الشباب ، وستبلى الثياب ، وسيعود المفقود وسيشبع الجوعان ، وستمضي الأيام ، ولكن لن يتردد الملك عن نزع الروح . كن أخي من المخلصين وكن من المجتهدين ، لا تركن إلى القصور ولا إلى الزخارف ، لا تترد اسرع من الان وتب لله وصلى وقل :
" ربي إني قد ظلمت نفس ظلما كثيرا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " .
لا تنسونا من الدعاء
أخوكم أبو المجد



عشته بنفسي من واقع الحياة