طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-05-05

عدد الزوار 1343

  رأيته مكتئباً فجلستُ إليه وظللت أحاوره وأناوره وأداوره ، كمن يحاول أن يعالج مسماراً ناشباً بقوة ، وهو يحاول إخراجه !! علاقتي المتينة به جعلتني لا أيأس منه ، وواصلت محاولاتي حتى فتح فمه ! ولما وقفت على سره ، عجبت كيف يستطيع الشيطان أن يضحك على إنسان عاقل على هذه الشاكلة ! كان مما قاله على حياء : ظللت ليلة البارحة بطولها أتفكر ، لماذا فلان وفلان أفضل مني .لماذا لا يكون حالي كحالهم .! فسألته  : وفيمَ يفضلونك ؟ قال بنبرة أوضح وأعلى ، وفيها شدة من حدة : ألا ترى أن لديهم ( كذا وكذا ) ، وعندهم ... ويملكون ... الخ ! قلت : الذي أراه أن الشيطان تلاعب


يمامة الوادي

 

رأيته مكتئباً فجلستُ إليه وظللت أحاوره وأناوره وأداوره ، كمن يحاول أن يعالج مسماراً ناشباً بقوة ، وهو يحاول إخراجه !!

علاقتي المتينة به جعلتني لا أيأس منه ، وواصلت محاولاتي حتى فتح فمه !

ولما وقفت على سره ، عجبت كيف يستطيع الشيطان أن يضحك على إنسان عاقل على هذه الشاكلة !

كان مما قاله على حياء :

ظللت ليلة البارحة بطولها أتفكر ، لماذا فلان وفلان أفضل مني .لماذا لا يكون حالي كحالهم .!

فسألته  : وفيمَ يفضلونك ؟

قال بنبرة أوضح وأعلى ، وفيها شدة من حدة :

ألا ترى أن لديهم ( كذا وكذا ) ، وعندهم ... ويملكون ... الخ !

قلت : الذي أراه أن الشيطان تلاعب بك ببراعة ..!

ورفع رأسه ينظر في وجهي .. وواصلت كلامي :

يا صاحبي ، أنت بنيت المسألة على خطأ ..
وقد قالوا قديماً :
 المقدمات الخاطئة ، لا تثمر سوى نتائج خاطئة !! لأنها أشبه ببناية عالية ، غير أنها مبنية على غير أساس ، فلابد أن تترنح وتنهار !!

وفتح عينيه بقوة .. وارتسمت في بؤبؤهما كمٌ هائل من علامات الاستفهام .. ومضيت أقول :

سؤالك يا عزيزي خطأ من أساسه ، ولقد أنساك الشيطان الميزان الصحيح الذي يتفاضل به الناس ..!

فكأنما أخرجتُ رأسه من تحت الماء ليتنفس قليلاً !!وبدا لي كالمذهول  وقال :

ممكن توضح أكثر ..!!

قلت : يا عزيزي ليس الميزان الحقيقي للتفاضل ، هو الذي نصبته لتحكم من خلاله ، على أن هذا  أفضل ، وذاك أسوأ ..!

ثم من قال أن هذا أو هذا أفضل منك أو من غيرك ..؟!

ألا تعلم أن حكمك هذا يتضمن اعتراضاً مبطناً على الله سبحانه ، وأنه لم يحسن تقسيم الأرزاق ، وهذه كبيرة من الكبائر .. فأنظر أين يذهب بك الشيطان ؟!!

ومثل هذا ما يقوله بعض الحمقى من الناس : يعطي الحلق للي بلا ودان !!

بمعنى أن الله يعطي من لا يستحق ، وهذا معناه أن الله لا يحسن وضع الأشياء في مواضعها !!!

ورأيت صاحبي يتمتم كأنما يستغفر.. وواصلت كلامي :

وشيء آخر لا يقل أهمية مما سبق :

نعم ، قد يملك هؤلاء .. وعندهم ... ولديهم ... ولكن عند النظرة  المتأنية ، سنجد أنهم يفتقدون نعماً عظيمة يملكها من ليس عندهم ، ولا يملكون ، ولا معهم ...!

هذا أتاه الله مالاً كثيرا وافراً ، ولكنه لا يزال يشكو أمراضاً تتوالى عليه ، أو رزق بأولاد يرونه نجوم الظهر ، أو بزوجة طائشة تعلمه الأدب إذا فكر في الاستقامة !! ، أو يتوجع من هموم لا أول ولا آخر لها ، أو بأمراض نفسية تجعله يدور على المصحات النفسية كما يدور الحمار في ساقية ! وإن بدا للناس أنه يكثر الضحك .. فهو إنما يضحك عليهم وعلى قلة عقولهم ..!!

قال الراوي :

وبقي صاحبي فاغر الفم يتابع كأنما هو يرى بوابات السماء تتفتح أمام عينيه بالتتابع !

ومضيت في كلامي :

إن ميزان التفاضل الحقيقي قد نصبه من خلق الخلق ، فهو أدرى بما يكون ميزانا دقيقا لتفاضلهم ..قال الله سبحانه :

( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ولا ميزان البتة غير هذا الميزان .. !

مر رجل أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه ، فقال لهم : ما تقولون في هذا ؟

فنظروا .. فرأوا رجلا من علية القوم ، يمشي في ثيابه التي يباهي بها ، فقالوا :

هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع.

فسكت رسول الله .. ثم مر رجل من فقراء المسلمين، فقال: (ما تقولون في هذا؟) قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هذا _ أي الفقير _  خير من ملء الأرض مثل ذاك ..!

والحديث صحيح  رواه البخاري في صحيحه ،و قيل أن الأول كان منافقاً ..

 وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (رواه مسلم).

والخلاصة :
من زاد عليك في طاعة الله ، وحسن الأدب معه ، والإقبال عليه ، فهو أفضل منك ، وإن كان أقل منك في متاع الحياة الدنيا..!

وهذا جدير بك لو كنت عاقلاً ، أن تغبطه كثيرا على ما أكرمه الله به !!

 ثم ألا تلحظ أن الله سمى الدنيا  دنيا !!؟

فهي دنية يا صاحبي ،  والتعلق بها حمق ، أرأيت إلى غريق يترك أطواق النجاة القريبة منه ، ويحاول أن يتعلق بقشة ، ويزعم أنها ستنقذه ..!

فإذا أردت المفاضلة فلا تخدعك ظواهر الأشياء ، ولكن انظر إلى ما يقربك من الله سبحانه ، فمن كان أكثر طاعة فهو الأقرب من الله والأحب إليه .. وهذا هو الأفضل بلا شك ..

سكت صاحبي لحظات ، كأنما يدير ما سمع في عقله .. ثم قال على استحياء :

طيب دعني أقول لك :  لماذا الصالحون أفضل مني !!!؟

قال الراوي : ابتسمت وقلت : هذه أمرها يسير !!

وفتح عينيه وأشبهته بأرض قاحلة تتعطش لقطر السماء يوشك أن ينهمر عليها !

قلت : لأن هؤلاء يا صاحبي ساروا في طريقٍ أنت ما سلكته !!

حين تقرر أن تسير بسيرهم وتنافسهم في الطريق ، ستجد نفسك تحلق كما حلقوا ..!

قال : ولكن كيف لي بالالحاق بهم وقد سبقوني بزمن ..!؟

قلت : أبشر يا صاحبي .. فلو صدقت الله في هذا السير ، وعزمت عزما أكيدا على أن تواصل الرحلة ، وتحققت بالإخلاص ، فإنك سرعان من تجد نفسك تتلألأ كما تلألأوا  ، بل وقد تسبقهم وتتقدم عليهم !

قال : عجيب .. كيف وقد مضوا قبلي ربما منذ سنوات ، وأنا مجرد تائب جديد ؟

قلت : بجرعة الصدق والإخلاص والعزم والهمة .. فلقد قالوا قديما :

ليس الطريق لمن سبق ، ولكن الطريق لمن صدق ..!

فاصدق الله يصدقك ، واعرفه جيدا يملأ قلبك غنى !!

قال بقي سؤال أخير : ألا يوجد صالحون أتقياء وهم مع ذلك أغنياء !؟

قلت : اعلم أخي أن الدنيا يمنحها الله لمن يحب ولمن لا يحب ،

ولكنه لا يمنح الدين إلا من يحب فقط ..!

وحين يمنحك الله حسن الإقبال عليه ، فتلك علامة جلية على أنه يحبك ، وكفى بهذا كنز ، تتصاغر عنده كنوز الدنيا مجتمعة !

هذه واحدة ، أما الثانية ، فإن هذا العطاء ليس سوى امتحان وابتلاء ، للمُعطى له ، كيف سيتصرف فيه ، وأين سينفقه ، ثم : سيحاسبه الله على مثاقيل الذر !

وهو كذلك امتحان وابتلاء لأمثالي وأمثالك ممن لم يمنحهم هذا العطاء :

كيف ستكون قلوبهم وهم يرون مثل هذا ، هل سيسخطون ، فيتعرضون لسخط الله !!

أم سيثقون أن لله حكمة فيما يفعل ، ويرضون بحسن اختياره لهم ، فإذا علم منهم ذلك أغناهم من غير مال ..!

والحديث في هذا ذو شجون كثيرة .. ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق !


 



أبو عبد الرحمن