طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2009-05-05

عدد الزوار 1593

      ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ..... ) الآية .. إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن ، مجتمع له أدب رفيع , ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس ,  لأن الجماعة كلها وحدة , كرامتها واحدة . والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب : يا أيها الذين آمنوا ..  وينهاهم أن يسخر قوم بقوم , أي رجال برجال , فلعلهم خير منهم عند الله


يمامة الوادي

 
 
 
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ

وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ..... ) الآية ..

إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن ،

مجتمع له أدب رفيع , ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس .

وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس ,

 لأن الجماعة كلها وحدة , كرامتها واحدة .

والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب : يا أيها الذين آمنوا ..

 وينهاهم أن يسخر قوم بقوم , أي رجال برجال , فلعلهم خير منهم عند الله ,

 أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .

وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم

 ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية , التي يوزن بها الناس .

فهناك قيم أخرى , قد تكون خافية عليهم , يعلمها الله , ويزن بها العباد .

وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف ,

 والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام .

 وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . .

وقد تسخر الجميلة من القبيحة , والشابة من العجوز ,

والمعتدلة من المشوهة , والغنية من الفقيرة . .

ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس ,

فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !

ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء , بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية ,

ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها : (ولا تلمزوا أنفسكم). . واللمز :العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ; فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية !

ومن السخرية واللمز : التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها , ويحسون فيها سخرية

 وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به .

ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا .

وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها ,

 أحس فيها بحسه المرهف , وقلبه الكريم , بما يزري بأصحابها ,

 أو يصفهم بوصف ذميم .

والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله , وبعد استجاشة شعور الأخوة ,

 بل شعور الاندماج في نفس واحدة , تستثير معنى الإيمان , وتحذر المؤمنين

من فقدان هذا الوصف الكريم , والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز:

 (بئس الاسم:الفسوق بعد الإيمان). فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان !

وتهدد باعتبار هذا ظلما , والظلم أحد التعبيرات عن الشرك:

(ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). .

وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .

ثم يقول سبحانه وتعالى :

 ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا

وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)

فأما هذه الآية فتقيم سياجا آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم ,

حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم ,

بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم , في أسلوب مؤثر عجيب . .

وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء الحبيب : يا أيها الذين آمنوا . .

ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن , فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها

 حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك . وتعلل هذا الأمر : (إن بعض الظن إثم).

 وما دام النهي منصبا على أكثر الظن , والقاعدة أن بعض الظن إثم ,

 فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء أصلا ,

لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثما !

بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء , فيقع في الإثم ;

 ويدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك , أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها

 ظن السوء ; والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك ,

والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع .

وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون.. !

ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب .

بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل , وسياجا حول حقوق الناس الذين يعيشون

في مجتمعه النظيف , فلا يؤخذون بظنة , ولا يحاكمون بريبة ;

 ولا يصبح الظن أساسا لمحاكمتهم . بل لا يصح أن يكون أساسا للتحقيق معهم ,

ولا للتحقيق حولهم . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا ظننت فلا تحقق " . .

 ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء , مصونة حقوقهم , وحرياتهم , واعتبارهم .

حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه .

ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم !

فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص ! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان

فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا , وقام عليه المجتمع

 الإسلامي فعلا , وحققه في واقع الحياة , بعد أن حققه في واقع الضمير ?

**

ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون:

( ولا تجسسوا). .والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن ;

وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات , والاطلاع على السوءات .

والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية , لتطهير القلب من مثل هذا

 الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم .

وتمشيا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب .

ولكن الأمر أبعد من هذا أثرا . فهو مبدأ من مباديء الإسلام الرئيسية في نظامه

الاجتماعي , وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية .

إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور

 , ولا أن تمس بحال من الأحوال .

ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم ,

آمنين على بيوتهم , آمنين على أسرارهم , آمنين على عوراتهم .

 ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات .

 حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها ، لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس

 على الناس . فالناس على ظواهرهم , وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم .

وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم . وليس لأحد أن يظن

أو يتوقع ,أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما , فيتجسس عليهم ليضبطهم !

وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها , مع الضمانات الأخرى

 التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة .

قال أبو داود:حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة , قال:حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش

 عن زيد بن وهب . قال:أتى ابن مسعود , فقيل له:هذا فلان تقطر لحيته خمرا .

فقال عبد الله:إنا قد نهينا عن التجسس , ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .

وعن مجاهد:لا تجسسوا , خذوا بما يظهر لكم , ودعوا ما ستر الله .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة . قال:قلت لعقبة:

إن لنا جيرانا يشربون الخمر , وأنا داع لهم الشرط , فيأخذونهم .

قال:لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم . قال:ففعل فلم ينتهوا . قال:فجاءه دجين فقال:

إني قد نهيتهم فلم ينتهوا . وإني داع لهم الشرط فتأخذهم .

فقال له عقبة:ويحك ! لا تفعل , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها " .


وقال سفيان الثوري , عن راشد بن سعد , عن معاوية بن أبي سفيان , قال:

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  يقول :

" إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " .

 فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه

من رسول الله صلى الله عليه وسلم  نفعه الله تعالى بها .

فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي !

ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب , بل صار سياجا حول

حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم , فلا تمس من قريب أو بعيد ,

تحت أي ذريعة أو ستار .

فأين هذا المدى البعيد ? وأين هذا الأفق السامق ? وأين ما يتعاجب به

أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام ?

بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب , يبدعه القرآن إبداعا:

( ولا يغتب بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه). .

لا يغتب بعضكم بعضا . ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح

 حساسية . مشهد الأخ يأكل لحم أخيه . . ميتا . . !

ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز ,

وأنهم إذن كرهوا الاغتياب !

ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة

شعور التقوى , والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة تطلعا للرحمة:

( واتقوا الله إن الله تواب رحيم). .

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس ,

وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب . ويتشدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم

 متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض .

في حديث رواه أبو داود:حدثنا القعنبي , حدثنا عبد العزيز بن محمد , عن العلاء

 عن أبيه , عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله , ما الغيبة ? قال :

" ذكرك أخاك بما يكره " . قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ?  

قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " . .

 [ ورواه الترمذي وصححه ] .

وقال أبو داود:حدثنا مسدد , حدثنا يحيى , عن سفيان , حدثني علي بن الأقمر

عن أبي حذيفة , عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا "قال عن مسدد تعني قصيرة " فقال صلى الله عليه وسلم :

" لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " . قالت : وحكيت له إنسانا .

 فقال صلى الله عليه وسلم :" ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا " . .

وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس

 يخمشون وجوههم وصدورهم . قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟

قال : " هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " . .

ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية , ورجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم

 بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما , سمع النبي صلى الله عليه وسلم

رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم

رجم الكلب ! ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار , فقال :

" أين فلان وفلان ? انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " .

قالا :غفر الله لك يا رسول الله ! وهل يؤكل هذا ؟

 قال صلى الله عليه وسلم:" فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه .

والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها " .

وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع ,

وانتهى إلى ما صار إليه : حلما يمشي على الأرض , ومثلا يتحقق في واقع التاريخ .

**

وبعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا ; وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء

 من الآداب النفسية والاجتماعية ; وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات

حول كرامتهم وحريتهم وحرماتهم , وضمان هذا كله بتلك الحساسية التي يثيرها

في أرواحهم , بالتطلع إلى الله وتقواه . .

بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق السامق , يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها

 وألوانها , ليردها إلى أصل واحد , وإلى ميزان واحد ,

هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق:

 ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

يا أيها الناس . يا أيها المختلفون أجناسا وألوانا , المتفرقون شعوبا وقبائل

 . إنكم من أصل واحد . فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بددا .

يا أيها الناس . والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم ، من ذكر وأنثى . .

وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل . إنها ليست التناحر والخصام .

 إنما هي التعارف والوئام .

 فأما اختلاف الألسنة والألوان , واختلاف الطباع والأخلاق ,

 واختلاف المواهب والاستعدادات , فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق ,

بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات .

وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله .

إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم , ويعرف به فضل الناس:

(إن أكرمكم عند الله أتقاكم). . والكريم حقا هو الكريم عند الله .

 وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: (إن الله عليم خبير). .

وهكذا تسقط جميع الفوارق , وتسقط جميع القيم , ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة ,

 وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر , وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان .

وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض ; وترخص جميع القيم

التي يتكالب عليها الناس . ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون:

ألوهية الله للجميع , وخلقهم من أصل واحد .

كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله .

وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس ,

والعصبية للأرض , والعصبية للقبيلة , والعصبية للبيت . وكلها من الجاهلية وإليها ,

تتزيا بشتى الأزياء , وتسمى بشتى الأسماء . وكلها جاهلية عارية من الإسلام !

وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها ,

ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة : راية الله . .

 لا راية الوطنية . ولا راية القومية . ولا راية البيت . ولا راية الجنس .

 فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" كلكم بنو آدم , وآدم خلق من تراب . ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم ,

أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان " .

وقال صلى الله عليه وسلم  عن العصبية الجاهلية:" دعوها فإنها منتنة " .

وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي .

المجتمع الإنساني العالمي , الذي تحاول البشرية في خيالها المحلق

 أن تحقق لوناً من ألوانه فتخفق !

لأنها لا تسلك إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم :الطريق إلى الله سبحانه ،

 ولأنها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة ، راية الله .

......

 



أبو عبد الرحمن