طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2010-07-19

عدد الزوار 1647

لقد عاشت المرأة المسلمة حقبةً من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها؛ تبثها ذات نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها، وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما، وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب، فقلتم لها: "إن هؤلاء الذي يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلاً، ولا أفضل رأيًا، ولا أقدر على النظر لك من النظر لنفسك، فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك"، فازدرت أباها، وتمردت على زوجها، وأصبح البيت -الذي كان بالأمس عرسًا من الأعراس الضاحكة- مناحة قائمة لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها.


أنين الصمت

أيها الباكون على المرأة.. كفى خداعًا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن أعظم العلل وأشدها خطرًا على جسد الأمة هي تلك الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالمجتمعات وتسقط الدول، كما أن أسرع التغيرات وأجلها نفاذًا إلى نخاع الأمة تلك التغيرات الاجتماعية، خاصة في مجال المرأة، وقد قال أحد أقطاب الاستعمار: "كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية ما لا يفعله ألف مدفع".

فهذا المعز الفاطمي ما يزال يرنو إلى فتح مصر متهيبًا غزوها، حتى بلغه استهتار نساء الإخشيد في مصر، فتحرك لغزوها وقال: "اليوم فتحت مصر؛ اليوم لا يردنا عنها شيء".

ولأجل ذلك كانت قضية المرأة قضية خطيرة، وما زال أعداء الأمة يستغلونها منذ قال جلاد ستون رئيس وزراء بريطانيا في عصره: "لا يمكن أن تتقدم بلاد الشرق إلا بأمرين:


الأول: أن يُرفع الحجاب عن المرأة المسلمة.

الثاني: أن يُغَطى بالحجاب القرآن الكريم".

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).

إنما النساء شقائق الرجال:

وليس معنى ذلك أن المرأة رجس ونجس كما هي عند اليهود والنصارى وغيرهم؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما النساء شقائق الرجال) شقائق في الأصل والخلقة، شقائق في أصل التكليف، شقائق في جزاء الآخرة.

أما دعاة المساواة الذين باعوا عرض المرأة وكرامتها وعفتها وأنوثتها، وأخرجوها من بيتها موضع كرامتها لكنس الشوارع، وحمل الأمتعة، وقيادة سيارات الأجرة، وغير ذلك من الأعمال الحقيرة الممتهنة بحجة أن المرأة نصف المجتمع؛ فكذبوا؛ فإن المرأة هي المجتمع كله والأمة بأسرها؛ لأنها تلد لنا النصف الآخر؛ فهي أم الرجل وأخته وزوجه وابنته .

أيتها الأخت المسلمة..

انتبهي؛ فأنت الضحية، إنهم يخدعونك بتلك المفاهيم الخاطئة والأفكار الخبيثة تحت عناوين براقة مثل: "تحرير المرأة - مكانة المرأة - عمل المرأة - جمال المرأة".. احذري استدراجهم، تمسكي بالحجاب؛ فإنهم كانوا لا يطلبون منك أكثر من كشف وجهك، وبحجة أن كشف الوجه مختلف فيه، غير أنهم يعلمون علم اليقين -بحكم التجارب الطويلة العديدة- أنك يوم تكشفين عن وجهك، ويذهب ماؤه وحياؤه؛ ستكشفين لهم عما عدا ذلك.

أيها الباكون..

أما انتم أيها الراثون الباكون على المرأة وحقوقها؛ فإنكم لا ترثون لها؛ بل ترثون لأنفسكم، وتبكون على ما يُحال بينكم وبينه من شهواتكم، هذِّبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال؛ فأنتم عن النساء أعجز.

لقد عاشت المرأة المسلمة حقبةً من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها؛ تبثها ذات نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها، وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما، وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب، فقلتم لها: "إن هؤلاء الذي يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلاً، ولا أفضل رأيًا، ولا أقدر على النظر لك من النظر لنفسك، فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك"، فازدرت أباها، وتمردت على زوجها، وأصبح البيت -الذي كان بالأمس عرسًا من الأعراس الضاحكة- مناحة قائمة لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها.

وقلتم لها: "لابد لك أن تختاري زوجك بنفسك؛ حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك"؛ فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزد عمر سعادتها عن يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك والعذاب الأليم.

وقلتم لها: "إن الحب أساس الزواج"؛ فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة حتى شغلها الحب عن الزواج، فغنيت به عنه.

وقلتم لها: "إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها"، وما كانت تعرف إلا أن الزوج غير العشيق؛ فأصبحت تبغي كل يوم زوجًا جديدًا يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوج القديم، فلا قديمًا استبقت، ولا جديدًا أفادت.

وقلتم لها: "لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك، والقيام على شئون بيتك"؛ فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها والقيام على شئون بيتها.

وقلتم لها: "نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها ويلائم ذوقها ذوقنا وشعورها شعورنا"؛ فرأت أن لابد لها أن تعرف مواقع أهوائكم ومباهج أنظاركم؛ لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس حياتكم صفحة صفحة؛ فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن، والثناء عليهن؛ فتخلعت واستهترت لتكسب رضاكم وتنزل عند محبتكم، فأعرضتم عنها ونبوتم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة وقد أباها الرفيع، وترفع عنها المحتشم.

فهل تودون أن تتحول المرأة المسلمة إلى هذه الصورة الساقطة بعد تلك الحياة العفيفة المطمئنة؟!
نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يستر عيوبنا .

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم



كتبه/ فاروق الرحماني -رحمه الله