طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2010-08-12

عدد الزوار 3959

فبــــــادر قبل أن تُبـــادر، وخذ قرارك بالتغيير الآن .. من ستكون؟ هل ستكون غافلاً أم ذاكرًا؟ .. ستكون راقدًا أم مصليًا؟ ستكون فارسًا في أي ميدان؟ وكيف ستُبلَّغ العتق من النيران؟


أنين الصمت


رمضان شهر الحصـــاد .. فاحذر !


تخيل نفسك واقفًا في قيـــام رمضان تائهًا شاردًا مثل كل عام، تبحث عن لذة الإيمان وكنوز رمضان فلا تجدها ! .. وأثنــــاء الصيام تتردد على ذهنك المعاصي التي كنت تقع فيها من قبل، فتُمزق قلبك .. تُتلى عليك آيـــات النُذر والناس حولك يبكون، بينما أنت غـــارق في هموم الدنيـــــا ومشاغلها!
وكل واحد لديه استعداد لبذل الغالي والنفيس ليستشعر المعاني الإيمانية في رمضان ..

لكن، أين قلبه؟!

وذلك لأن رمضــان شهر الحصاد .. فما فعلته طوال الإحدى عشر شهر الماضية ستجد ثمرته في رمضان، فإما أن تكون ثمرة طيبة أو خبيثة ..

يقول الله جلَّ وعلا {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (*) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ..} [الكهف: 57,58] .. فالله تعالى يبعث إليك الرسالات والنُذُر؛ لكي تُفيق من غفلتك .. فتظل غافلاً مُعرضًا عن آيات الله، حتى يأتي شهر رمضان فتسعى لفعل الخيرات لكنك لا تجد قلبك وتظل تبحث عنه في أعمالك دون جدوى .. وذلك لأن القلب قد تكوَّن عليه الران وصار عليه حجـــاب من كثرة الغفلة، فمهما استمع إلى المواعظ والنُذُر لن يخشع ولن يتحرك!

والله سبحانه وتعالى هو الغفور ذو الرحمة، ونحن مقبلون على شهر المغفرة والرحمة .. فالفرصة أمامك.



لكن عليك أن تعلم أن رمضان سلاح ذو حدين ..

فمع كثرة الغفلات والملاهي التي يتعرض لها الناس في هذا الزمان، علينـــا أن نخــــــاف على رمضــان هذا العام ..

ومن المخاوف التي عليك أن تحذر منها في رمضان:

1) أنه تُضاعف فيه السيئــات كما تُضاعف فيه الحسنـــات ..

فالله تعالى يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل .. وذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوة في العبادة، ويعد فيه المنافقين اغتياب المؤمنين، واتباع عوراتهم .. فهو غنمٌ للمؤمن، وغرمٌ على الفاجر.

فاحذر أن يكون رمضان حُجةٌ عليك وليس لك .. فعليك أن تبذل قصارى جهدك من الآن وتُثبت أنك بحق راغبٌ في فضائل رمضان وأن تُعتق رقبتك من النار .. وإيــــاك أن تتكاسل عن أي باب من أبواب الخير التي تستطيع السعي فيها.

2) أنه شهر الحرمان، كما إنه شهر الرحمة والعتق من النيران ..

فمن لن ينـــال جائزة المغفرة في رمضان، ستكون عاقبته البُعد والحرمان من رحمة الله عزَّ وجلَّ ..

قال رسول الله "أتاني جبريل فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين" [رواه الطبراني وصححه الألباني، صحيح الجامع (75)]



3) أنه شهر الغفلة ..

فلابد أن تمر بغفلات في رمضان ككل عام، في البداية يدخل الجميع على رمضان بهمة ونشاط ثم يتسلل الفتور والتكاسل إلى النفوس وهذا حال الغافلين ..

فاحذر أن تقتل الغفلة إيمانك ..

يقول ابن الجوزي "لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة، فأما المؤمن، فإنه لا يلتذ" [صيد الخاطر (1:38)] .. فإن كنت تستمع بالمعصية، فاعلم أنك غارقٌ في الغفلة ولن تستيقظ منها حتى في رمضان.

أما المؤمن إذا اخطأ، فإنه يندم ويتوب ويستغفر ربَّه .. قال رسول الله "ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا. إن المؤمن خُلِقَ مفتنًا توابًا نسيًا، إذا ذُكِّرَ ذكر" [رواه الطبراني وصححه الألباني، صحيح الجامع (5735)]

4) احذر عقوبة الاستدراج ..

فإن كانت أحوالك الإيمانية متدهورة، ومع ذلك لازال الله تعالى يُغدق عليك بالنعم الدنيوية وتظن أنك في أفضل حـــال .. فاحذر أن يكون ذلك استدراجًا!، يقول رسول الله "إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج" ثم تلا {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] [رواه أحمد وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة (413)]

{.. مُبْلِسُونَ ..}، أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن يؤخذوا على غرة، وغفلة وطمأنينة، ليكون أشد لعقوبتهم، وأعظم لمصيبتهم. [تفسير السعدي]

وقد تكون مُعاقب وأنت لا تدري .. يقول ابن الجوزي "فلا ينبغي أن يغتر مُسَامَح، فالجزاء قد يتأخر. ومن أقبح الذنوب التي قد أعد لها الجزاء العظيم: الإصرار على الذنب" [صيد الخاطر (1:38)]

وقال أيضًا "وربما كان العقاب العاجل معنويًا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك ولا تعاقبني!، فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟" [صيد الخاطر (1:65)]

فإن كنت تقع في ذنبٍ ما ومع ذلك لا تجد له عقوبة، فلا تتعجب عندما لا تجد قلبك في رمضان!


5) ظلمات الإصرار على الذنب ..

عن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي قال "ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" [رواه أحمد وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (2257)]

وأقماع القول هم الذين قلوبهم كالقُمع، يستمعون إلى آيات القرآن والمواعظ ولا تتأثر قلوبهم بها .. أما المصرون فهم الذي يصرون على الذنوب الصغيرة ويظلون يفعلونها حتى يصلون إلى مرحلة الإدمان .. وهؤلاء قد توعدهم النبي بالويل، وهو وادٍ في جهنم.

فاحذر من الإصرار على الكثير من الذنوب التي قد أعتادها الناس، كالإختلاط وإطلاق البصر ومشاهدة الأفلام وسماع الأغاني والتعاملات الربوية وغيرها الكثيـــر ..

فالإصرار على تلك الذنوب يُفسد عليك حيـــاتك كلها، ويُضيِّع منك فرص المغفرة في رمضان،،


6) استصغـــار الذنوب ..

قال بعضهم "الذنب الذى لا يُغفر قول العبد: ليت كل ذنبٍ عملته مثل هذا، وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله فإذا نظر إلى عِظَم من عُصِيَ به رأى الصغيرة كبيرة" [إحياء علوم الدين (4:32)] .. ومن الإصرار السرور بالصغيرة والفرح بها، والتهاون بستر الله عليك فيها.



7) خصلة نفاق في قلبك تقطع عنك مدد ربِّك ..

ولكي تعلم إن كنت مصابًا بإحدى خصال النفاق أم لا، اعرض تلك الأسئلة على قلبك:

عن عبد الله بن عمرو: أن النبي قال "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" [متفق عليه]

1) هل باطنك بخلاف ظاهرك؟

2) هل تكذب أحيانًا؟

3) هل تخون الأمانة؟ .. هل أذنبت ذنبًا خنت فيه ربَّك؟

4) هل غدرت بأحد العهود التي عهدتها؟

5) هل خاصمت أحدًا فدعاك الغضب أن تظلمه؟

6) هل أنت جريء عند ارتكاب الذنب في بعض الأحيـان؟ وهل تجاهر بذنبك؟

7) هل أنت مجادل بالباطل؟؟ .. فتعترض على الأوامر الشرعية، وتبحث عن مبررات واهية للهروب من أحكام الشرع ..

عن النبي قال "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان (أي: الفُجر والاعتراض على أوامر الشرع) شعبتان من النفاق" [رواه الترمذي وصححه الألباني]

8) هل أنت بخيل على الله بجهدك؟ .. هل تبخل أن تصلي لله ركعتين؟ هل تبخل على الله بمالك؟

9) هل دائمًا تشعر بالعجز وعدم القدرة على الفعل؟ .. قال رسول الله "إن الشح والعجز والبذاء من النفاق" [رواه الطبراني وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (2630)]

10) هل تشعر أحيانًا أنك ذو وجهين؟ .. قال "من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار" [رواه أبو داوود وصححه الألباني]

هل أنت ولي مع الصالحين؟ ومع الفجار أستـــاذ؟!

11) هل تتعلم وتزداد علمًا يومًا بعد يوم؟ أم إنك لا تعرف شيئًا عن الله تعالى؟

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت ولا فقه في الدين" [رواه الترمذي وصححه الألباني]

12) هل تعمل بما تتعلم؟ .. قال " أكثر منافقي أمتي قراؤها" [رواه الطبراني وصححه الألباني، صحيح الجامع (1203)] .. أي: الذين يتعلمون ولا يعملون.

13) هل أنت كسول؟ .. قال تعالى {.. وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] .. فالمنافقون يصلون ويتصدقون، فكيف بمن لا يصلي ولا ينفق؟!

لعلك تتساءل الآن، كيف نتخلَّص من تلك المخاوف في رمضان هذا العام والأعوام القادمة بمشيئة الله؟!



طرق النجـــــاة من مخــــــاوف رمضـــان

1) لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله، فالذكر يُحيي قلبك ..

فلا يُفتر لسانك عن ذكر الله تعالى طوال الزمان المُتبقي على رمضان؛ لأن الذكر يُبدد الغفلة ..

يقول ابن القيم "لا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت" [الوابل الصيب (1:62)] .. فلو أنك أردت الوصول إلى مكانٍ ما، لن تصل إليه وأنت جالسٌ في مكانك بل لابد أن تتحرك .. وهكذا لن تُبلَّغ منازل الإحسان إلا بالذكر.

وقال أيضًا "فإن الغافل بينه وبين الله عزَّ وجلَّ وحشة لا تزول إلا بالذكر" [الوابل الصيب (1:63)]

2) قيـــام الليل ولو بعشر آيـــــات ..

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" [رواه أبو داوود وصححه الألباني]

فاحرص على أن تقوم كل ليلة ولو بعشر آيــــات؛ لكي تُبدد سُحُب الغفلة المتراكمة على قلبك.



3) جدد توبتك والزم الاستغفار ..

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ربِّ أذنبت فاغفره، فقال ربُّه: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا فقال: ربِّ أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال ربُّه: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟، غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، قال: ربِّ أذنبت ذنبًا آخر فاغفر لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به ؟، غفرت لعبدي فليفعل ما شاء" [متفق عليه]

فالاستغفار ينفي عنك جريمة الإصرار على الذنب .. عن أبي بكر قال "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة"

4) أغلق باب من أبواب السيئات التي تجعل الشيطان يهجم على قلبك ويستولي عليه ..

عاهد ربَّك من الآن على التخلُّص من ذنب يقطع بينك وبينه، ولو رأى صدق رغبتك سيُعينك ولن يتركك أبدًا ..

حدد الآن: ما الذي ستُقلع عنه ؟ .. هل هو الكلام الذي لا فائدة منه؟ أم النظر المُحرَّم؟ أم إنك ستُفيق من غفلتك وقلة ذكرك؟ أم قلة خشيتك وحياءك من الله سبحانه وتعالى؟

5) حدد برنامجك في رمضان من الآن، بواقعية في حدود إمكانياتك .. نظِّم أورادك وأوقاتك تبعًا لمشاغلك ومسؤولباتك ..

وطريقك إلى جنة عرضها السموات والأرض يبدأ من البذل والتضحية،،



أشعل عزمك، فلا وقت للراحة ..

وأصلِح فيما بقي، يُغفر لك ما قد مضى .. قال تعالى {.. إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ..} [الأنفال: 38]

أصدق نيتك واجتهد في تلك الأيــــام؛ حتى تُبلَّغ رمضان وتكون من المغفور لهم هذا العام بإذن الله تعالى ..

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "بادروا بالأعمال ستًا: الدخان، والدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم" [رواه مسلم]

فبــــــادر قبل أن تُبـــادر، وخذ قرارك بالتغيير الآن .. من ستكون؟

هل ستكون غافلاً أم ذاكرًا؟ .. ستكون راقدًا أم مصليًا؟

ستكون فارسًا في أي ميدان؟ وكيف ستُبلَّغ العتق من النيران؟


نسأل الله تبارك وتعالى أن يؤمننا من جميع المخاوف ..

وأن يُبلغنا رمضان ويجعلنا من عتقائه من النار هذا العام،،



الشيخ هانى حلمى