طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2012-08-04

عدد الزوار 1484

يا له مِن موقف نبيل يُقابل هذه الخيانة بهذا العفو والإحسان دسّ الحاج المبلغ في جيب الخفير وقال له ارجع إلى الجنينة ، رجع الرّجل لبيته وهو يجُرّ ذُيول الخيبة والندامة . أغلق عليه حُجرته ، خفق قلبه وتثاقلت رأسه أكفى نفسه على الوِسادة عزم ألّا يدخُل جُنينة الليمون بعد هذا العملِ الأثيم


أنين الصمت

سوق الليمون



من بين أغصان شجر الليمون يُمكنك أن تراه رابضاً يحرس ( الجُنينة ) كما يُسمّيها أهلُ مصر ، رجلٌ في العِقد الخامس من عُمره ، داكن البشرة قاطب الجبين أشمّ الأنف دبّ الشّيب إلى رأسه ، جلس في ظل شجرة ،يندب حظّه العاثر ، ويتذكّر أحلامه الحلوة وآماله العِذاب والتي تحطّمت على صخرة الواقع ، ألقى هُمومه ومعاذيره على الفقر ، اعتبره المسئول عن هذا الإخفاق ، تذكّر بناته الخمسة وولده الذي يحبو في فناء البيت المُتواضع ، لعب الشيطان برأسه ، لماذا لا يُجرب حظه ، لماذا لا يجمع ليموناً في غرارة ثم يأخذه إلى سوق الليمون بالمدينة فيبيعها ويُعيد الكرّة مرّة بعد مرّة ، راقت له الفكرة سيّما وهو الخفير على الجنينة لن يكتشف أمرَه أحدٌ ، فصاحب الليمون رجلٌ مشغولٌ دائماً بتجارته مع انخراطه في العمل الاجتماعيّ وحرصِهِ على مُجاملة كل بيت في المدينة القريبة يُشارك النّاس في أفراحهم وأتراحهم يقضي بينهم ، بل كان يجلس قاضياً عُرفيّاً في سائر البلاد لما اشتهر به من حكمةٍ وفطانة مع صوتٍ جُهوريٍّ وبسطةٍ في الجِسم وسعةٍ في الرّزق ووقارٍ جعل له هيبة وإجلالاً في قلوب الصّغار والكبار .


ملأ الخفير الغرّارة بأطايب ثِمار الليمون الذّهبيّ حملها على كتفه خرج من البابِ الذي يُشرف على الطّريق العام ، انتظر سيّارة تحمله وبضاعته إلى مدينة [ أبوكبير ] سوق الليمون ، راحت سيّارة نقل أشار إليها لمحه السّائق ، عرفه أخفى وجههُ بالعمامة التي كانت تُغطّي رأسه ركب الرّجُل في الصّندوق الخلفيّ مع الغرّارة ، هرولت السّيارة إلى أنْ أشرفتِ على المدينة ، ومن حُسن الحظّ أنّها اقتربت من سُوقِ الليمون ؛ لن يُجهد نفسه في حملها ، لكنّها توقّفت أمام مكتب الحاج أحمد صاحب الجنينة نزل منها التفت إلى الرّاكب وكشف اللثام ، فأُسقط في قلب الرَّجل ودارت به الأرض وضاقت حتّى تمنّى لو انشقّت وابتلعته في بطنها ، افتُضح أمره وبدت غدرتُه أمام صاحبِ الليمون الذي قال له معاتبا : بكم نويت أن تبيعها ! سكت الرّجل ، فأعاد عليه السّؤال ، فزاد وجهَهُ احمراراً من شِدّة الخجل وثقل لسانه كأنه الجبل .


قال له خُذ خمسين جُنيهاً واتركها هُنا في هذه زاوية من المحلّ وعُد إلى الجُنينة سترك الله يا ابني .

يا له مِن موقف نبيل يُقابل هذه الخيانة بهذا العفو والإحسان دسّ الحاج المبلغ في جيب الخفير وقال له ارجع إلى الجنينة ، رجع الرّجل لبيته وهو يجُرّ ذُيول الخيبة والندامة .
أغلق عليه حُجرته ، خفق قلبه وتثاقلت رأسه أكفى نفسه على الوِسادة عزم ألّا يدخُل جُنينة الليمون بعد هذا العملِ الأثيم
.


علم الرّجُل بغيابه فأرسل إليه من يقول له : ارجع إلى الجُنينة وإلّا فإنّ الحاجّ أحمد سيغضب منك .

رَجَعَ يُطأطئ رأسه بعد هذا الدّرس البليغ ، عزم على التّوبة الخالصة فتاب وأصلح وأخلص عمله لله تعالى وصدق مع هذا الرّجل الكريم ، الذي أحسن إليه وستر عليه.




كتبها أ.د أحمد بن محمد الشرقاوي