طريق التوبة

نسخة الطباعة

أضيف في 2011-02-21

عدد الزوار 4470

أنا فتاة في العشرين من عمري ملتزمة والحمد لله والمنة... تقدم لخطبتي الكثير، لكن أمي كانت ترفض بحجة إتمامي لدراستي الجامعية، واليوم وأنا على أبواب التخرج أصبحت أحس بفراغ رهيب، فراغ جعل ليلي دموعا، ونهاري أحزانا وتوجعا... وبين هذه المشاعر اليائسة تصيح بي الذنوب أن تعالي إلى حضني الدافئ، امتنعت وامتنعت وامتنعت وبشدة وإصرار، لكنني بعدها وقعت في الذنوب، وقعت وكلي حسرة وندامة... تحدثت مع شاب في الهاتف.. مدة شهر ثم تبت بعدها بأسبوع تعرفت على آخر بقيت معه شهرا ونحن على أتم حال كنت دائما أذكره بالتوبة، وأحث نفسي وإياه عليها، لكنه كان يراوغ بشتى الطرق.. أحبني وأراد أن يخطبني فرفض أبوه.. أنا في قرارة نفسي لا أريده كزوج لأنه لم يرضِ طموحي وكل ما أصبو إليه، لكن شيئا ما يجعلني أستمر معه.. ضعفي.. فراغ روحي... حبه لي... وإحساسي أنني أظلمه إن تركته، فأنا أخاف أن أجرح الناس وكذلك هناك أمر آخر يمنعني هو خروجي معه، ذلك الأمر الذي يجعلني أحس أنني سأخون من سيكون زوجي في المستقبل، فعندما خرجت معه لمسني ثم قبلني، كنت أريد الخلاص من بين يديه لكنه أبى، ذكرته بأن الله يرانا فقال: الله غفور رحيم... يئست... مللت... سئمت، أريد حلا أرجوكم، أريد التوبة، أريد العودة إلى رحاب الله... لكنني كلما تبت عدت... لم أعد أستطيع الصبر والتحمل... أحيانا كثيرة أتمنى الموت لأتخلص من عصيان ربي... أصبحت أكره نفسي وأمقتها بعدما كنت أفتخر بأني أحمل كتاب الله في صدري... أريد قلبا حنونا يضمني، ويدًا حانية تكفكف دمعي... وأذنا صاغية تسمع آلامي ومعاناتي لكنني لا أجد... فهل تكونون ملاذ نفسي بعد اعتصامي بربي.. هل تمسحون دمعتي... هل تجدون لي حلا وسطا بين إرضاء ربي -وهو الذي لن أتنازل عنه- وبين سكن نفسي وروحي؟


الأخت الحبيبة بارك الله بأنفاس عمرك، وجعل أنسك في ذكره، وثبّت قلبك على الإيمان..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قرأت رسالتك، وتحسّست تلك المشاعر الفياضة بالحيرة والندم والرغبة بالتوبة والإياب إلى الله جل وعلا نسأله تعالى أن ييسِّر لك سبل التوبة، ويجعلك ممن يحب ويرضى..

سامح الله الوالدة الفاضلة.. فمع أنني متأكدة أنّ همّها كان في حصولك على شهادة جامعية تكفيك مؤونة الأيام الصعبة، وتجعلك قادرة على حماية نفسك من الفاقة إلا أنها قد تكون أسقطت منك فرصاً جيدة للارتباط خاصة أننا في مجتمع يضجّ بالفتن والمغريات.. وكان بالإمكان أن تشترط على الخاطب إكمال دراستك بعد الزواج، فالستر للمرأة أولى مع إصراري على أهمية التعليم للمرأة المسلمة، وعدم إغفال هذا الحق لها تحت أي ظرف من الظروف..

أما بالنسبة للذنوب فالحمد لله جل وعلا أن مّنَّ عليك بالالتزام والإيمان.. ومعاقرة الذنوب والمعاصي لا تعني أنك لستِ مؤمنة، وما حالة الألم التي تعيشينها إلا مؤشر على أنك مؤمنة، فلو كنتِ غير ذلك لفعلتِ ما فعلتِ دون أن يهتز جفنك، ولكن الحمد لله وبالرغم من المعاصي إلا أننا مؤمنون.. على أن لا نقلِّل من حجم المعصية التي نؤتيها وبحق مَن؟! بحق الله جل وعلا الذي خلق وأعطى وهدى.. يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام "كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون"..

إنّ هذا التخبّط الذي تعيشينه هو مزيج من حالة الفراغ العاطفي والروحي وضعف الوازع الديني عندك.. والحاجة التي يشعر بها كل فاقد لعلاقة شرعية مع الجنس الآخر لا تبرر لنا أن نقع في الحرام لمجرد رغبتنا في إشباع هذه الحاجة.. أما أن تكوني تعلمين أن هذا الشاب غير مناسب لكِ ولا يرضي طموحك ولكنك لا تتركينه بحجة أنك تخافين أن تظلميه فإنك بذلك تظلمين نفسك قبله، وتجرحين قلبك وعلاقتك بربك قبل جرحه بتركك له.. ومهما يكن من نتيجة فإن ترك هذه العلاقات غير الشرعية أولى لكِ وله حفاظاً على نفسيكما وعلى علاقتكما بربكما جل وعلا.. والمعصية لا تورِث إلا الأسى والحزن!

واعلمي أن الله جل وعلا توّاب رحيم إذيقول في كتابه الكريم: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات".. يغفر الذنب ويقبل التوب بل وهو الأكرم يبدّل السيئات حسنات بفضله جلّ وعلا، فقد قال عز من قائل: "إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"..

وباب التوبة مفتوح دائماً والله جل وعلا يفرح بتوبة عبده ويقرِّبه منه مهما بلغت ذنوبه، بل ويحذِّر من اليأس والقنوط من رحمته جل وعلا، ويقول سبحانه في كتابه الكريم: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم".. ويفرح جل وعلا –فرحاً يليق به- بتوبة عبده كما أخبر الحبيب عليه الصلاة والسلام "لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلِّها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثمَّ قال من شدَّة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك! أخطأ من شدَّة الفرح"..

ولكن عليكِ أن تعقدي العزم على أن لا تعودي إلى التواصل المُحرَّم بينك وبين الشباب وبإمكانكِ إشغال نفسك بالخير، وباتّباع النصائح الآتية أرجو أن تصِلي إلى بر الأمان وتثبتي على الطاعة بإذنه جل وعلا..

الإتيان بشروط التوبة وهي: الإقلاع عن الذنب، العزم على عدم العود، الندم على ما فات..

التفتيش عن صحبةٍ صالحة تذكِّرك بالله جل وعلا، وتأخذ بيدك إلى درب الإيمان وتملأ الفراغ في نفسك..

المشاركة في أعمال البر والدعوة وخدمة المجتمع لإعادة التقدير الذاتي لنفسك وإشغال النفس فيما ينفع..

عدم التعجل بالارتباط حتى يأذن الله جل وعلا مع الإلحاح بالدعاء بأن يرزقك الله جل وعلا زوجاً صالحاً يعفّك..

الإكثار من الاستغفار والذكر وتلاوة القرآن الكريم والطاعات، ووضع برنامج إيماني يومي تواظبين عليه..

قراءة الكتب النافعة خاصة في مجال التزكية والروحانيات..

بث روح الإيجابية في حياتك، ومحاولة التغيير للأفضل والابتعاد عن طريق الغواية..

التركيز على تحسين العلاقة بالله جل وعلا، والعمل بجناحَي الطائر: الخوف والرجاء..

التصدّق فإن الصدقة تطفئ غضب الرب جل وعلا..

برّ الوالدين وطلب الدعاء منهما..

تجديد التوبة دائماً وجعل النية في كل عمل صالح لوجهه الكريم..

استشعار عظمة الله جل وعلا والتعرف على آلائه وعظيم خلقه، فمن عرف أحَب ومَن أحب أطاع..

عدم الاسترسال بالتفكير في الشباب والعلاقات السابقة والاستعاذة بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم إن نزغ الشيطان بك..

الرضا بما قسم الله جل وعلا لكِ.. واليقين أن الخيرة فيما اختاره الله جل وعلا، ولعل في تأخير زواجك حكمة لا تدركينها والله يعلمها..

مجاهدة نفسك في كل حين لكيلا تورِدكِ المهالك..

الحبيبة الفاضلة.. في داخلك نبتة إيمان طرية فاسقيها من ماء الرضا، وراعيها بخلقِك الذي ارتضاه الله جل وعلا للمؤمنات، وأنبتيها نباتاً حسناً وسيُثمِر الزرع بإذن ربه ويحلو العيش في ظل التوبة..



سحر علي المصري